سعيد الفقعسي
10-01-2007, 09:54 PM
الأتريك ( قصة قصيرة)
في ليلةٍ ممطرة من ليالي المِربعانيات , استيقظ الصبي [ زاحم ] ذو السبعة أعوام على صوت جده لأبيه [ القحم محسن ] , وهو يتعاطي بالهمس أبياتاً للشاعرأحمد بن جبران ..
أزفر لمن له طرف عيني ما سرا نام
وإن رقدت أنبه ما لاحلام
أحلـــم .............................!!وقبل أن يُكمل القحم محسن بقية شعره الصّب , تفاجأ بذلك الصوت الصغير يناديه ( جَـدّ – جَـدّ ) .. ليسكت القحم محسن غاضباً بل حانقاً على ذلك التوقيت السيء لذلك النداء البريء .
وليجيب الطرف الآخر طرف تلك الليلة الممطرة بصوتٍ أرهقته سنين الشقاء حتى غدا ممتلأً بالعطف والحنان ( بسم الله عليك يا صفَيري .... لا يكون يتعبك شيء )
رد الصغير زاحم في كلماتٍ مشدوهة ( لا يا جـدّة زينب ) .. وفي لحظةٍ من الزمن قفز زاحم من داخل جُبّته اليمانية مسرعاً الى جده وجدته الجالسان بالقُرب من الزافر .
وما أن وصل زاحم الى حيث يجلس الكهلان , حتى تغيّرت ملامحه البسيطة , واتسعت حدقتا عينيه الصغيرتين , ودار في خُلده للحظاتٍ من الزمن ألف سؤال , فالمنظر الذي قد رءاه زاحم كان غريباً الى درجة الفاجعة .
وقف زاحم ينظُر الى جده وجدته , وقد امتلئت نفسه رُعباً من ذلك الشيء المضيء , الذي يتوسط المجلس , وقد أضحت أجزاء المنزل الخشبي وكأنها رابعةٌ من نهار .
بدأ الصبي زاحم يقترب من ذلك الوهج المنير وهو شاخص البصر غير مقتنعٍ بما يرى , ولكي يطمئن ذلك الصبي الصغير من صحة ما رءاه فاجأ جده محسن بسؤالٍ استنكاري رسمته له معرفته البسيطة بالأشياء ( وش ذا الفانوس الصآبه ... ؟!)
وفي عجالة من الخُيلاء يقهقه القحم محسن قائلاً ( ذيايه اتريك .. الفانوس لا كتب الله ما عد ابتراه ) ..وتمسك الجدة زينب بطرف الجواب الآخر قائلة ( هبط جدك محسن سوق النقعة واشتراه , والله انه بثلاثة أمداد حنطة ) ..
سكت الصبي زاحم غير مكترثٍ بتلك الأجوبة , وبدأ يُحدّق من جديد الى ذلك الوهج المسمى بالأتريك ..
وفي لحظةٍ من لحظات الفضول الطفولي , اقترب زاحم من الأتريك حتى غدا وفاجعته الجديدة وجها لوجه , وبدأ يتفقده بنظره الصائب ..
كان زاحم يحاول أن يُمسك بيده ذلك الوهج المنبعث من الأتريك , إلا إن قوة الحرارة في ذلك الجزء العلوي من الأتريك جعلته يفشل مرةً بعد مرة .
وبعد عددٍ من المحاولات بدأ الصغير في تشتيت نظره الى أجزاءٍ أخرى من الأتريك , وأختار هذه المرة أن ينظرَ الى قاع الأتريك , ليجد أن وجهه الصغير قد رسمه نور الأتريك المتوهج في تلك القطعة المستديرة بالأسفل .
وهناك استمر زاحم في التحديق في ذلك الوجه الصغير المرسوم في قاع الأتريك , وهو يحاول أن يتعرف على تلك الصورة الضبابية .. إلا أنه سُرعان ما أعلن فشله ويأسه عندما صاح في جده محسن ( جَـدّ جَـدّ معي صورة مخلوقٌ في قعر الأتريك ...!! )
كانت تلك الجُملة التي صدح بها زاحم كافيةً لأن تُزلزل خُيلاء القحم محسن , الذي لم يجد جواباً يَردُ به على ابن السبعة أعوام سوى ( وش تقول يا مخذول ...!!!) .
اقترب القحم محسن من الصغير زاحم ونَهرهُ بشدة ( حِـلّ عن الأتريك ) .. ليجلس القحم محسن مكان الصغير زاحم , وليبدأ في النظر الى قاع الأتريك.... ليرى صورة وجهه !!
سكت القحم محسن قليلاً .. ليُبعثر ذلك الصمت المخيف صوت الكهلة زينب وهي تقول ( يااا يبه مِـجْـدّه ذاعك الولد ) ..ليسكت القحم قليلاً ثم ليفجر المفاجأة ( بالله الرحيم أنه ما كذب ) .
ليعود الصغير زاحم يسأل جده : ( من هو ذاعك المخلوق يا جَـدّ ..؟! )
هناك كاد أن يُغمى على القحم محسن , فكيف له أن يشتري شيئاً بثلاثة أمدادٍ من الحنطة دون أن يعرف صاحب تلك الصورة المرسومة على قعر الأتريك , وكيف له بعد هذا أن يظهر بمظر الجاهل خصوصاً أمام من لأجلها مضى نصف ليله وهو يُنشد ( أزفر لمن .... يا بومقامٍ ....!! )
وبعد لحظاتٍ من الصمت لاح الجواب في مخيّلة القحم محسن , وعادت أنفاسه المتقعطة الى الحياة حينما اعتدل في جلسته وبدأ يتحدث بنبرة الرجل العارف قائلاً :
( تيه صورة اليهودي اللي صنع الأتريك .............!!!!!)
عبدالله الجــــــــــــــــــابري --- منتدى الديره
في ليلةٍ ممطرة من ليالي المِربعانيات , استيقظ الصبي [ زاحم ] ذو السبعة أعوام على صوت جده لأبيه [ القحم محسن ] , وهو يتعاطي بالهمس أبياتاً للشاعرأحمد بن جبران ..
أزفر لمن له طرف عيني ما سرا نام
وإن رقدت أنبه ما لاحلام
أحلـــم .............................!!وقبل أن يُكمل القحم محسن بقية شعره الصّب , تفاجأ بذلك الصوت الصغير يناديه ( جَـدّ – جَـدّ ) .. ليسكت القحم محسن غاضباً بل حانقاً على ذلك التوقيت السيء لذلك النداء البريء .
وليجيب الطرف الآخر طرف تلك الليلة الممطرة بصوتٍ أرهقته سنين الشقاء حتى غدا ممتلأً بالعطف والحنان ( بسم الله عليك يا صفَيري .... لا يكون يتعبك شيء )
رد الصغير زاحم في كلماتٍ مشدوهة ( لا يا جـدّة زينب ) .. وفي لحظةٍ من الزمن قفز زاحم من داخل جُبّته اليمانية مسرعاً الى جده وجدته الجالسان بالقُرب من الزافر .
وما أن وصل زاحم الى حيث يجلس الكهلان , حتى تغيّرت ملامحه البسيطة , واتسعت حدقتا عينيه الصغيرتين , ودار في خُلده للحظاتٍ من الزمن ألف سؤال , فالمنظر الذي قد رءاه زاحم كان غريباً الى درجة الفاجعة .
وقف زاحم ينظُر الى جده وجدته , وقد امتلئت نفسه رُعباً من ذلك الشيء المضيء , الذي يتوسط المجلس , وقد أضحت أجزاء المنزل الخشبي وكأنها رابعةٌ من نهار .
بدأ الصبي زاحم يقترب من ذلك الوهج المنير وهو شاخص البصر غير مقتنعٍ بما يرى , ولكي يطمئن ذلك الصبي الصغير من صحة ما رءاه فاجأ جده محسن بسؤالٍ استنكاري رسمته له معرفته البسيطة بالأشياء ( وش ذا الفانوس الصآبه ... ؟!)
وفي عجالة من الخُيلاء يقهقه القحم محسن قائلاً ( ذيايه اتريك .. الفانوس لا كتب الله ما عد ابتراه ) ..وتمسك الجدة زينب بطرف الجواب الآخر قائلة ( هبط جدك محسن سوق النقعة واشتراه , والله انه بثلاثة أمداد حنطة ) ..
سكت الصبي زاحم غير مكترثٍ بتلك الأجوبة , وبدأ يُحدّق من جديد الى ذلك الوهج المسمى بالأتريك ..
وفي لحظةٍ من لحظات الفضول الطفولي , اقترب زاحم من الأتريك حتى غدا وفاجعته الجديدة وجها لوجه , وبدأ يتفقده بنظره الصائب ..
كان زاحم يحاول أن يُمسك بيده ذلك الوهج المنبعث من الأتريك , إلا إن قوة الحرارة في ذلك الجزء العلوي من الأتريك جعلته يفشل مرةً بعد مرة .
وبعد عددٍ من المحاولات بدأ الصغير في تشتيت نظره الى أجزاءٍ أخرى من الأتريك , وأختار هذه المرة أن ينظرَ الى قاع الأتريك , ليجد أن وجهه الصغير قد رسمه نور الأتريك المتوهج في تلك القطعة المستديرة بالأسفل .
وهناك استمر زاحم في التحديق في ذلك الوجه الصغير المرسوم في قاع الأتريك , وهو يحاول أن يتعرف على تلك الصورة الضبابية .. إلا أنه سُرعان ما أعلن فشله ويأسه عندما صاح في جده محسن ( جَـدّ جَـدّ معي صورة مخلوقٌ في قعر الأتريك ...!! )
كانت تلك الجُملة التي صدح بها زاحم كافيةً لأن تُزلزل خُيلاء القحم محسن , الذي لم يجد جواباً يَردُ به على ابن السبعة أعوام سوى ( وش تقول يا مخذول ...!!!) .
اقترب القحم محسن من الصغير زاحم ونَهرهُ بشدة ( حِـلّ عن الأتريك ) .. ليجلس القحم محسن مكان الصغير زاحم , وليبدأ في النظر الى قاع الأتريك.... ليرى صورة وجهه !!
سكت القحم محسن قليلاً .. ليُبعثر ذلك الصمت المخيف صوت الكهلة زينب وهي تقول ( يااا يبه مِـجْـدّه ذاعك الولد ) ..ليسكت القحم قليلاً ثم ليفجر المفاجأة ( بالله الرحيم أنه ما كذب ) .
ليعود الصغير زاحم يسأل جده : ( من هو ذاعك المخلوق يا جَـدّ ..؟! )
هناك كاد أن يُغمى على القحم محسن , فكيف له أن يشتري شيئاً بثلاثة أمدادٍ من الحنطة دون أن يعرف صاحب تلك الصورة المرسومة على قعر الأتريك , وكيف له بعد هذا أن يظهر بمظر الجاهل خصوصاً أمام من لأجلها مضى نصف ليله وهو يُنشد ( أزفر لمن .... يا بومقامٍ ....!! )
وبعد لحظاتٍ من الصمت لاح الجواب في مخيّلة القحم محسن , وعادت أنفاسه المتقعطة الى الحياة حينما اعتدل في جلسته وبدأ يتحدث بنبرة الرجل العارف قائلاً :
( تيه صورة اليهودي اللي صنع الأتريك .............!!!!!)
عبدالله الجــــــــــــــــــابري --- منتدى الديره