ابوهيثم الغامدي
09-12-2008, 02:40 AM
:..:ظلام في طريق:..:
في حادث مروري مروع..
خطف الموت أباها وأمها ..
وشقيقتها الصغيرة "العنود"
حينما كانوا عائدين من المستشفى
لزيارة خالها الوحيد المريض بفشل كلوي
ويرقد على السرير الأبيض
منذ سنوات وحالته حرجه
خاصة بعد تأكد الأطباء
أن أيامه أصبحت معدودة..
إذ لم يجر عملية زراعه من أحد المتبرعين..
..لكن من أين؟
فالعين بصيرة ..واليد قصيرة..
ووسط هذه الظروف الصعبة
وجدت نوره, البنت الحلوة والمزيونة والعاقلة والحكيمةوالمتفوقة
في آخر سنوات الثانوية نفسها مسئولة عن رعاية وتربية
إخوانها الثلاثة, عبدالله و نايف وطلال..
فقررت اولاً ترك مقاعد الدراسة
والبحث عن وظيفة تكفيها شر السؤال,
وبعد فتره قصيرة اكتشفت أن الحل الأمثل والأفضل..
مغادرة مدينتها الشمالية الصغيرة
حتى لا يعيش أشقاؤها تحت مذلة أنظار الرحمة والعطف من كل الناس,
وباعت بيتهم المتواضع وسددت جميع ديون والدها الراحل..
وأخذت المبلغ البسيط المتبقي
وهاجرت الى اقصى الجنوب
واستقرت في حاره شعبيه فقيره
يسكنها المعدمون والمشردون
وأصحاب الدخل المحدود..
وهناك بدأت حياة جديده.
عملت نوره اولاً في قسم الاستقبال داخل مستوصف خاص,
ثم اضطرت للاستقاله
على اثر محاولة المدير التحرش بها أكثر من مره,
وهربت حفاظاً على نفسها وشرفها وكرامتها,
وبحثت عن عمل آخر لا يكون فيه رجال أبداً..
وحصلت على وظيفة مساعدة كوافيره في مشغل نسائي,
وأيضاً لم تستمر طولاً لأنها لم تستطع اتقان العمل,
أو التأقلم مع المهنه الناعمة والحساسه..
وأخيراً رضخت لصوت جارتها أم مرزوق
وتنازلت عن قناعتها وانضمت لفرقتها..
وأصبحت نوره عقب فتره بسيطه
طقاقه محترفه ولاتمانع أبداً من الرقص في الافراح والليالي الملاح
وبالذات اذا طلبت والدة العروس أو العريس
منها إمتاع الحاضرات بشعرها الطويل..
ولمست نوره بسرعه أن شغلتها الجديده
وحدها القادرة على توفير لقمة كريمه لاخوانها,
واستمرت وصمدت رغم بعض المنغصات النفسيه
والعقبات الاجتماعية حيث سمع اخوانها مثلاً
في مدارسهم أحياناً
كلاماً جارحاً كون شقيقتهم طقاقه ورقاصة..
واستطاعت نوره
أن تتجاوز بهم الى شواطئ الأمان والسعادة المؤقتة,
ووفرت لهم كل وسائل الراحة والكرامة والترفيه,
ويمضي العمر سريعاً,
ويتخرج عبدالله أكبر الأبناء ضابطاً من الكلية العسكرية,
وظنت نوره أن أيام الألم والعذاب والحرمان ولت بلا رجعه ,
والنجوم تزين كتفي عبود الذي صار رجلاً يملأ عليها الدنيا,
لكن الأقدار كان تخبئ لها صفحة أخرى ..
من الحسرة والندامة والخوف.
وبينما كان عبدالله يستعد لزواجه
حلت الكارثة ..
فقبل ثلاثة أيام فقط من حفل الزفاف والفرح وليلة العمر,
يسمع عبدالله أن ابن جيرانهم " سالم "
الذي يتصف باللؤم والوقاحة والخبث والنجاسة
يسخر ويستهزأ به ويقول :
" هل سترقص الطقاقة نوير في زواج أخيها..
أم ستستعين بطقاقة ثانية "..
فقد عبدالله صوابه ..
وأعصابه, وراح يبحث في الحاره عن سالم
ووجده يمازح أصدقاءه ويضحك معهم,
فاخترق الجلسة وضربه على رأسه بقطه من حديد,
وتركه يسبح في دمائة أربعين دقيقه
قبل وصول سيارة الانعاش.
ولايزال سالم في غرفة الانعاش منذ ثلاثة أشهر
بين الحياه والموت,
ودخول عبدالله القفص المظلم
مع المجرمين والمهربين والمخالفين والقتله
بدلاً من دخول القفص الذهبي
مع بنت الحلال..
أما نوره فكانت تنتظر أغلى في حياتها
لترقص وتفرح وهي ترى نتيجة صبرها ونضالها وكفاحها على الأرض..
ولم يتغير شيء ,
فهي الان تنتظر سلامة سالم ,
حتى لايجر عبدالله مكبلاً بالأغلال الى منصة الاعدام ,
وحتى لاتصبح تلك الليلة أطول ليلة في حياتها..
وحتى لاتتأكد أن ماذكره المفكر
الفرنسي جان جوك روسو حينما قال:
" طريقة وحيدة ينجو بها الأنسان من العذاب.. أن يتذكر دائماً أنه للعذاب خلق .."
المصدر: مجلة فواصل العدد 208
منقول لفائده
في حادث مروري مروع..
خطف الموت أباها وأمها ..
وشقيقتها الصغيرة "العنود"
حينما كانوا عائدين من المستشفى
لزيارة خالها الوحيد المريض بفشل كلوي
ويرقد على السرير الأبيض
منذ سنوات وحالته حرجه
خاصة بعد تأكد الأطباء
أن أيامه أصبحت معدودة..
إذ لم يجر عملية زراعه من أحد المتبرعين..
..لكن من أين؟
فالعين بصيرة ..واليد قصيرة..
ووسط هذه الظروف الصعبة
وجدت نوره, البنت الحلوة والمزيونة والعاقلة والحكيمةوالمتفوقة
في آخر سنوات الثانوية نفسها مسئولة عن رعاية وتربية
إخوانها الثلاثة, عبدالله و نايف وطلال..
فقررت اولاً ترك مقاعد الدراسة
والبحث عن وظيفة تكفيها شر السؤال,
وبعد فتره قصيرة اكتشفت أن الحل الأمثل والأفضل..
مغادرة مدينتها الشمالية الصغيرة
حتى لا يعيش أشقاؤها تحت مذلة أنظار الرحمة والعطف من كل الناس,
وباعت بيتهم المتواضع وسددت جميع ديون والدها الراحل..
وأخذت المبلغ البسيط المتبقي
وهاجرت الى اقصى الجنوب
واستقرت في حاره شعبيه فقيره
يسكنها المعدمون والمشردون
وأصحاب الدخل المحدود..
وهناك بدأت حياة جديده.
عملت نوره اولاً في قسم الاستقبال داخل مستوصف خاص,
ثم اضطرت للاستقاله
على اثر محاولة المدير التحرش بها أكثر من مره,
وهربت حفاظاً على نفسها وشرفها وكرامتها,
وبحثت عن عمل آخر لا يكون فيه رجال أبداً..
وحصلت على وظيفة مساعدة كوافيره في مشغل نسائي,
وأيضاً لم تستمر طولاً لأنها لم تستطع اتقان العمل,
أو التأقلم مع المهنه الناعمة والحساسه..
وأخيراً رضخت لصوت جارتها أم مرزوق
وتنازلت عن قناعتها وانضمت لفرقتها..
وأصبحت نوره عقب فتره بسيطه
طقاقه محترفه ولاتمانع أبداً من الرقص في الافراح والليالي الملاح
وبالذات اذا طلبت والدة العروس أو العريس
منها إمتاع الحاضرات بشعرها الطويل..
ولمست نوره بسرعه أن شغلتها الجديده
وحدها القادرة على توفير لقمة كريمه لاخوانها,
واستمرت وصمدت رغم بعض المنغصات النفسيه
والعقبات الاجتماعية حيث سمع اخوانها مثلاً
في مدارسهم أحياناً
كلاماً جارحاً كون شقيقتهم طقاقه ورقاصة..
واستطاعت نوره
أن تتجاوز بهم الى شواطئ الأمان والسعادة المؤقتة,
ووفرت لهم كل وسائل الراحة والكرامة والترفيه,
ويمضي العمر سريعاً,
ويتخرج عبدالله أكبر الأبناء ضابطاً من الكلية العسكرية,
وظنت نوره أن أيام الألم والعذاب والحرمان ولت بلا رجعه ,
والنجوم تزين كتفي عبود الذي صار رجلاً يملأ عليها الدنيا,
لكن الأقدار كان تخبئ لها صفحة أخرى ..
من الحسرة والندامة والخوف.
وبينما كان عبدالله يستعد لزواجه
حلت الكارثة ..
فقبل ثلاثة أيام فقط من حفل الزفاف والفرح وليلة العمر,
يسمع عبدالله أن ابن جيرانهم " سالم "
الذي يتصف باللؤم والوقاحة والخبث والنجاسة
يسخر ويستهزأ به ويقول :
" هل سترقص الطقاقة نوير في زواج أخيها..
أم ستستعين بطقاقة ثانية "..
فقد عبدالله صوابه ..
وأعصابه, وراح يبحث في الحاره عن سالم
ووجده يمازح أصدقاءه ويضحك معهم,
فاخترق الجلسة وضربه على رأسه بقطه من حديد,
وتركه يسبح في دمائة أربعين دقيقه
قبل وصول سيارة الانعاش.
ولايزال سالم في غرفة الانعاش منذ ثلاثة أشهر
بين الحياه والموت,
ودخول عبدالله القفص المظلم
مع المجرمين والمهربين والمخالفين والقتله
بدلاً من دخول القفص الذهبي
مع بنت الحلال..
أما نوره فكانت تنتظر أغلى في حياتها
لترقص وتفرح وهي ترى نتيجة صبرها ونضالها وكفاحها على الأرض..
ولم يتغير شيء ,
فهي الان تنتظر سلامة سالم ,
حتى لايجر عبدالله مكبلاً بالأغلال الى منصة الاعدام ,
وحتى لاتصبح تلك الليلة أطول ليلة في حياتها..
وحتى لاتتأكد أن ماذكره المفكر
الفرنسي جان جوك روسو حينما قال:
" طريقة وحيدة ينجو بها الأنسان من العذاب.. أن يتذكر دائماً أنه للعذاب خلق .."
المصدر: مجلة فواصل العدد 208
منقول لفائده